
حين يصبح الابتزاز تجارة.. لا بد من محاسبة المبتز ومن يشتري صمته
تضع التحقيقات الجارية في ما بات يعرف إعلاميا بملف «مدوني الخارج» قضية شديدة الحساسية أمام الرأي العام الموريتاني، لأنها لا تتعلق بمجرد خلاف بين مدونين ومسؤولين، ولا بمجرد معركة عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تلامس ثلاث قضايا جوهرية في أي دولة حديثة: حرية التعبير، ونزاهة المسؤول العمومي، وضبط الفضاء الرقمي بما يحفظ الحقوق ويمنع تحويل الإعلام والتدوين إلى وسيلة للابتزاز والارتزاق.
وبحسب ما أعلنته الحكومة، فإن التحقيقات تتعلق بشبهات ابتزاز مالي ونشر محتويات مسيئة وشراء الصمت والتهديد، وقد أسفرت حتى الآن عن توقيف عدد من الأشخاص، مع تأكيد السلطات أن التحقيقات ما تزال متواصلة.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن أن يكون هناك أي تبرير للابتزاز، أيا كان مرتكبه، وأيا كان المستهدف به. فالابتزاز ليس نقدا، والتشهير مقابل المال ليس صحافة، وتهديد المسؤول أو المواطن بنشر معلومات عنه مقابل دفع المال ليس ممارسة لحق التعبير، وإنما سلوك ينبغي أن يخضع للقانون متى ثبت بالدليل.
لكن، وفي الوقت نفسه، فإن محاربة الابتزاز لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لحماية المسؤول الفاسد أو إسكات كل نقد موجه إلى أصحاب النفوذ.
فالصحافة ليست مطالبة بحماية المسؤول من المساءلة، وإنما يفترض أن تكون إحدى أدوات المجتمع في مساءلة السلطة وكشف الاختلالات والدفاع عن المال العام. ومن حق الصحفي والمدون أن يسأل: من أين جاءت ثروة هذا المسؤول؟ وكيف امتلك العقار الفلاني؟ وكيف استطاع أن يعيش بهذا المستوى من البذخ بينما راتبه ومداخيله المعروفة لا تفسر ذلك؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها ابتزازا لمجرد أنها محرجة.
وفي المقابل، إذا ثبت أن شخصا يستخدم هذه الأسئلة نفسها للحصول على المال وشراء الصمت، فإن الأمر ينتقل من النقد المشروع إلى الابتزاز، ويجب أن يتحمل صاحبه مسؤوليته أمام القانون.
لكن هناك سؤالا آخر لا يقل أهمية، وربما كان أكثر إلحاحا: من الذي يجعل الابتزاز ممكنا أصلا؟
إن المبتز لا يستطيع شراء الصمت إذا لم يجد من هو مستعد لشرائه.
وهنا ينبغي ألا تتوقف التحقيقات عند الطرف الذي يطلب المال، بل أن تمتد، متى ظهرت قرائن جدية، إلى الطرف الذي يدفعه. فإذا ثبت أن مسؤولا عموميا دفع أموالا لإخفاء فساد أو تجاوز أو إثراء غير مشروع، فإن جريمة الابتزاز لا ينبغي أن تحجب السؤال الأكبر المتعلق بمصدر المال وسبب دفعه.
بل إن المسؤول الذي يستخدم المال العام أو النفوذ أو موارد الدولة لشراء صمته عن مخالفة أو فساد قد يكون، من زاوية أخرى، قد وفر البيئة التي تنمو فيها تجارة الابتزاز.
ولهذا فإن المعالجة الجادة للظاهرة لا تكون فقط بملاحقة من يهدد المسؤولين، وإنما أيضا بتجفيف منابع الفساد التي تمنح المبتزين مادة يتاجرون بها.
فإذا كان موظف عمومي يمتلك عقارات باهظة، أو سيارات فارهة، أو يعيش نمط حياة شديد البذخ لا يتناسب بصورة ظاهرة مع راتبه ومصادر دخله المعروفة، فإن السؤال المشروع ليس: من نشر عنه؟ وإنما: ما مصدر هذه الثروة؟
وإذا كانت هناك شبهات حول ثراء غير مبرر، فإن أفضل حماية للمسؤول النزيه ليست إسكات منتقديه، وإنما تمكين أجهزة الرقابة والقضاء من التحقق من مصادر أمواله. فإذا كانت ثروته مشروعة، انتهى الجدل وأُغلقت أبواب الشائعات. وإذا لم تكن كذلك، فإن القانون ينبغي أن يأخذ مجراه.
إن الدولة التي تريد محاربة الابتزاز بجدية مطالبة في الوقت نفسه بمحاربة الفساد بجدية أكبر؛ لأن الفساد والابتزاز وجهان لبيئة واحدة: بيئة يغيب فيها الوضوح، وتضعف فيها الشفافية، ويصبح فيها الوصول إلى المعلومات صعبا، ويعتقد بعض أصحاب النفوذ أن المال يستطيع شراء الصمت، بينما يعتقد بعض المتربحين أن التهديد يستطيع إنتاج المال.
وهنا تبرز الحاجة إلى تنظيم جاد للفضاء الرقمي، وتمهين الحقل الإعلامي، والتمييز الواضح بين الصحفي والمدون وصانع المحتوى من جهة، وبين من يتخذ من التشهير والتهديد والابتزاز مهنة من جهة أخرى. وقد أكدت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية أن من مهامها تنظيم وتمهين الحقل الإعلامي وضمان حرية الاتصال والتعبير والتعددية.
لكن التنظيم لا يعني تقييد النقد، كما أن حرية التعبير لا تعني منح حصانة لمن يمارس الابتزاز.
المعادلة التي نحتاجها بسيطة وواضحة: لا حصانة للفاسد، ولا شرعية للمبتز، ولا تضييق على الصحافة المهنية، ولا فوضى في الفضاء الرقمي.
نريد تحقيقا يكشف الحقيقة كاملة، لا تحقيقا يبحث عن ضحية سهلة.
نريد معرفة من ابتز، ومن دفع، ومن توسط، ومن قدم المعلومات، ومن استفاد، ومن أخفى الحقيقة إن ثبت ذلك.
ونريد، قبل كل شيء، أن يكون القانون أقوى من المال، وأقوى من النفوذ، وأقوى من الشهرة على مواقع التواصل.
فالصحافة الحرة لا ينبغي أن تخشى المسؤول الفاسد، والمسؤول النزيه لا ينبغي أن يخشى الصحافة الحرة، والمواطن لا ينبغي أن يخشى أيا منهما.
أما الابتزاز، سواء صدر من مدون يبحث عن المال أو من مسؤول يبحث عن شراء الصمت، فيبقى جريمة على الدولة أن تواجهها بالحزم نفسه، وبالمعيار نفسه، ودون انتقائية.
وعندما تنجح الدولة في تجفيف منابع الفساد، وتعزيز الشفافية، وتمكين الصحافة المهنية، وتنظيم الفضاء الرقمي، فإنها تكون قد وجهت الضربة الحقيقية إلى تجارة الابتزاز، لا إلى أعراضها فقط.