
اللواء خالد ولد السالك.. مسيرة إصلاح ترسم ملامح جمارك موريتانية عصرية وفاعلة
ليست الجمارك في الدول الحديثة مجرد إدارة لتحصيل الرسوم، ولا جهازاً يقف عند بوابات المدن والموانئ والمعابر لمراقبة حركة السلع، بل هي في جوهرها إحدى الواجهات التي تقيس بها الدولة قدرتها على حماية اقتصادها، وضبط تجارتها، وتأمين حدودها، ومواكبة حركة الاستثمار والتبادل التجاري.
ومن هذا الباب يمكن قراءة التحولات التي شهدتها الإدارة العامة للجمارك خلال الفترة الأخيرة، منذ تولي اللواء خالد ولد السالك قيادتها، في مسار بدا واضحاً منذ أيامه الأولى أنه يتجه إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتحديث أدوات العمل، والانتقال بالجهاز من أساليب الإدارة التقليدية إلى جمارك أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات الدولة والاقتصاد.
ولم يكن اختيار خالد ولد السالك لقيادة القطاع بعيداً عن مسار مهني طويل داخل الجمارك؛ فقد سبق أن شغل منصب المدير المساعد، كما تولى مسؤوليات ميدانية في ميناء نواكشوط المستقل، قبل أن يتولى الإدارة العامة في ديسمبر 2024. وهو مسار يفسر، إلى حد كبير، معرفته بتفاصيل العمل الجمركي من داخله، وإدراكه لحاجات المكاتب والموانئ والمصالح المركزية على السواء.
ومنذ توليه المسؤولية، اختار الرجل أن يضع الإصلاح في مكانه الطبيعي: داخل المؤسسة نفسها. ففي أول مناسبة دولية للجمارك خلال فترة قيادته، تحدث عن برنامج لعصرنة الإدارة، وعن مراجعة مدونة الجمارك وإعادة هيكلة القطاع، وعن الحاجة إلى تطوير نظام خاص يواكب التحولات التي عرفتها مهام الجمارك، ولم يعد فيها الدور الجمركي محصوراً في الجانب الجبائي، بل أصبح متصلاً بالأمن والتنمية وحماية الاقتصاد الوطني.
وكانت الرقمنة واحدة من أكثر العناوين حضوراً في هذا المسار. فقد أعلنت الإدارة عن تطوير تطبيقات وإجراءات جديدة شملت التسيير الآلي للنزاعات الجمركية، وإعادة ترميز الإعفاءات، ورقابة القيمة، وإدارة الدين الضريبي، وتسجيل بيانات الشحن عن بعد، فضلاً عن إرسال الوثائق المصاحبة للتصاريح الجمركية إلكترونياً.
وقد تبدو هذه التفاصيل تقنية في ظاهرها، لكنها في واقع الأمر تمس جوهر العمل الجمركي؛ لأن الإدارة التي تختصر الوقت، وتقلل التدخل اليدوي، وتضبط البيانات، وتتيح تتبع المعاملة، هي إدارة تفتح الباب أمام مزيد من الشفافية، وتمنح الدولة قدرة أكبر على الرقابة والتحصيل، وتخفف في الوقت نفسه من الأعباء التي يتحملها المتعامل الاقتصادي.
ولم تقف الإصلاحات عند الشاشة والوثيقة الإلكترونية. فالجمارك، بحكم طبيعة عملها، تحتاج إلى حضور ميداني قوي، وإلى وسائل تمكن أعوانها من الوصول إلى الأماكن التي لا تصل إليها المكاتب. وفي هذا الاتجاه جرى تعزيز وسائل الرقابة الميدانية، وتطوير بعض المراكز والمكاتب، وتوسيع الحضور الجمركي في عدد من النقاط، بما يعكس فهماً لطبيعة البلاد واتساع حدودها وتشعب طرق التجارة فيها.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في بلد تتقاطع فيه الطرق التجارية القادمة من الموانئ والحدود البرية مع مساحات شاسعة تحتاج إلى يقظة مستمرة. ولذلك فإن تعزيز فرق التدخل والبحث، وتوفير وسائل الحركة والمراقبة، ليس تفصيلاً إدارياً، وإنما جزء من صميم حماية الاقتصاد الوطني ومحاربة التهريب.
وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن الجمارك من دون الحديث عن خزينة الدولة. فالأرقام هي في نهاية المطاف إحدى اللغات التي تقاس بها كفاءة المؤسسات العمومية، وقد حققت الجمارك خلال سنة 2025 مداخيل تجاوزت 405 مليارات أوقية قديمة، وهي حصيلة غير مسبوقة بحسب ما أعلنته الإدارة خلال احتفالها بعيد الجمارك، بالتزامن مع تسجيل 7372 محضراً يتعلق بالمخالفات الجمركية.
ولا يصح بالطبع أن تُنسب حصيلة مؤسسة بأكملها إلى شخص واحد، فالجمارك جهاز كبير يعمل فيه ضباط وأعوان وموظفون في الموانئ والمكاتب والمراكز الحدودية وفي مختلف أنحاء البلاد. لكن مسؤولية القيادة تظل واضحة في تحديد الاتجاه، وضبط الأولويات، وتحريك الموارد، وإرساء قواعد العمل التي تسمح للطاقم كله بتحويل الخطط إلى نتائج.
وهنا تحديداً تبدو قيمة التجربة التي يقودها اللواء خالد ولد السالك: أن الإصلاح لم يُطرح باعتباره حملة مؤقتة، وإنما باعتباره مساراً يتصل بالهيكلة والقانون والتقنية والموارد البشرية والرقابة والتحصيل في وقت واحد.
ويأتي اعتماد إصلاحات جديدة في النظام الأساسي للجمارك ليعطي هذا المسار بعداً مؤسسياً أوسع، إذ اتجهت الدولة إلى وضع إطار قانوني أكثر ملاءمة لطبيعة القطاع وأدواره، مع السعي إلى الجمع بين السرعة والفعالية في إجراءات التخليص الجمركي ومواجهة التحديات الجديدة.
وفي خضم ذلك كله، ظهر وجه آخر للإدارة لا يقل أهمية عن الأرقام والأنظمة: الانضباط الداخلي. فقد شهد القطاع خلال الفترة الأخيرة تغييرات في مسؤوليات عدد من الضباط ورؤساء المكاتب والمصالح، في سياق إعادة ترتيب العمل وتوزيع المسؤوليات بما يخدم الأداء العام.
وإذا كانت الجمارك تقاس بقدرتها على تحصيل الموارد وحماية الحدود، فإنها تقاس كذلك بقدرتها على إدارة الملفات الحساسة دون أن تتحول الإجراءات إلى مصدر دائم للتوتر مع الفاعلين الاقتصاديين. ومن هنا جاءت أهمية التعامل مع بعض الملفات التي أثارت نقاشاً واسعاً في السوق، ومن بينها ملف جمركة الهواتف، حيث تحدثت مصادر صحفية عن تسوية أوضاع أعداد كبيرة من التجار واعتماد ترتيبات هدفت إلى تخفيف الاحتقان مع الإبقاء على الضوابط الجمركية.
وهذه المعادلة، أي الجمع بين الصرامة والمرونة، هي ربما أصعب ما تواجهه الإدارة الجمركية في العصر الحديث: أن تكون حازمة في حماية المال العام، من دون أن تكون عائقاً أمام التجارة؛ وأن تطبق القانون بصرامة، من دون أن تفقد القدرة على الحوار؛ وأن تحارب التهريب، وفي الوقت ذاته تفتح الطريق أمام التجارة النظامية.
ولعل ذلك هو ما يجعل الحديث عن تجربة اللواء خالد ولد السالك يتجاوز شخص الرجل إلى المؤسسة التي يقودها. فالمطلوب من الجمارك اليوم أكبر بكثير من مجرد زيادة الإيرادات. المطلوب مؤسسة تعرف أن حماية الاقتصاد تبدأ من المعبر، وأن تسهيل التجارة جزء من حماية الاقتصاد، وأن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من أدوات الرقابة، وأن الضابط الجمركي لم يعد مجرد منفذ لإجراء، وإنما عنصر في منظومة اقتصادية وأمنية متكاملة.
ومن اللافت أن هذا المسار الإصلاحي تزامن مع ترقية المدير العام للجمارك إلى رتبة مفتش لواء في مايو 2026، في إطار إعادة تنظيم الرتب والمسارات المهنية في القطاع. وقد جاء القرار في سياق إصلاحات أوسع مست النظام الأساسي للجمارك وهيكلتها.
وبين الرقم الذي تجاوز أربعمائة مليار أوقية، والآلاف من محاضر المخالفات، والأنظمة الرقمية الجديدة، وتوسيع الحضور الميداني، وإعادة ترتيب المصالح، تتشكل صورة مرحلة لا تزال في بدايتها، لكنها تحمل ملامح واضحة لجمارك تريد أن تكون أكثر حضوراً في الاقتصاد الوطني وأكثر قدرة على أداء دورها الأمني والرقابي.
لقد دخل اللواء خالد ولد السالك الإدارة العامة للجمارك وهو يعرف أن المؤسسة التي يقودها تقف في نقطة حساسة بين الدولة والسوق، وبين الأمن والاقتصاد، وبين التحصيل وتسهيل التجارة. ولذلك فإن نجاح تجربته لن يقاس فقط بما تحقق إلى الآن، وإنما بقدرته على تحويل هذه الإصلاحات إلى ثقافة مؤسسية تستمر بعد الأشخاص والمناصب.
وفي موريتانيا اليوم، حيث تتسع حركة التجارة وتتزايد مسؤوليات الدولة في حماية مواردها وتشجيع الاستثمار، تبدو الحاجة إلى جمارك قوية وعصرية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ومن هذه الزاوية، فإن مسيرة الإصلاح التي يقودها اللواء خالد ولد السالك تستحق أن تُقرأ باعتبارها جزءاً من مسار وطني أوسع لبناء إدارة أكثر كفاءة، وأشد انضباطاً، وأقرب إلى حاجات الاقتصاد، وأكثر قدرة على حماية المصالح العليا للبلاد.
فالمؤسسة القوية لا يصنعها القرار وحده، ولا ترفعها الأرقام وحدها؛ وإنما يصنعها رجال يعرفون أن المسؤولية تكليف، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من التفاصيل الصغيرة، ثم يتراكم حتى يصبح تغييراً يراه الجميع.
محمد المختار عبد الله