معالي الوزير الأول .. حين يتحول الاختلاف السياسي إلى محاكمة للنوايا

الأستاذ/ احمد محمد المختار

من حق أي كان أن ينتقد أداء الوزير الأول، ومن حقه أن يختلف مع الحكومة في سياساتها وقراراتها، لكن ما ورد في هذا مقال اقريني سيدي محمد يتجاوز النقد السياسي إلى بناء رواية كاملة على الظنون، ثم تقديمها للرأي العام باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.

الحديث عن «تدمير ما بناه العقلاء خلال ستة عقود»، وعن «تجنيد آلاف الموظفين»، و«الطاعة العمياء»، و«التخطيط لخلافة رئيس الجمهورية»، و«تجنيد الشرائح»، كلها اتهامات خطيرة لا يكفي لإثباتها أن يقول الكاتب: «خطط الرجل واضحة» أو «الجميع شاهد».

أين الأسماء؟ أين القرارات؟ أين الوثائق؟ أين الأدلة؟

إن كان المقصود نقد التعيينات، فلتُناقش التعيينات بالأسماء والمعايير والنتائج. وإن كان المقصود نقد الأداء الاقتصادي، فلتُعرض المؤشرات والأرقام. وإن كان هناك فشل في ملف المحروقات، فلتُناقش العقود والمخزونات والاتفاقيات والمسؤوليات بصورة دقيقة. أما جمع كل الملفات في سلة واحدة، ثم اختزالها في شخص الوزير الأول، فليس تحليلاً سياسياً رصيناً.

والأغرب هو تصوير إشراك مختلف مكونات المجتمع في مؤسسات الدولة باعتباره مشروعاً شخصياً للوزير الأول. الدولة الموريتانية ليست ملكاً لشريحة ولا حكراً على نخبة بعينها، وتمثيل أبناء الوطن في مؤسساتها ليس «تجنيداً» ولا «تمكيناً شخصياً»، وإنما هو من صميم فكرة الدولة الوطنية.

أما الزعم بأن المختار ولد أجاي يعمل سراً لفرض نفسه مرشحاً للأغلبية بعد فخامة رئيس الجمهورية، فهو مجرد تكهن سياسي لا يستند إلى موقف معلن أو معطى موثق. ومن غير المنطقي أن تتحول كل حركة لمسؤول إلى دليل على طموح رئاسي مفترض.

والأكثر غرابة أن الكاتب يريد تحميل الوزير الأول وحده كل ما يجري في البلاد: من الحوار الوطني إلى المحروقات، ومن الإدارة إلى الأسعار، ومن المشاريع إلى التعيينات، وكأن الحكومة مؤسسة منفصلة عن منظومة الحكم وعن برنامج رئيس الجمهورية وتوجيهاته.

إن النقد الجاد لا يتهرب من الوقائع، ولا يحتاج إلى لغة «الهوس» و«الشطط» و«المؤامرة». النقد الجاد يقدم الأرقام والوثائق، ويضع المسؤولية في إطارها المؤسسي، ثم يترك للقارئ الحكم.

أما الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها، فهي أن المختار ولد أجاي ليس طارئاً على الدولة ولا غريباً عن ملفاتها.

إنه أحد الأطر الوطنية التي راكمت تجربة واسعة في الإدارة والاقتصاد والمالية، وتدرج في مواقع ومسؤوليات مختلفة، ما منحه معرفة دقيقة بتعقيدات الدولة وملفاتها الكبرى. وقد عرفته النخبة الإدارية والاقتصادية والسياسية منذ سنوات بوصفه صاحب تكوين قوي، وقدرة على التحليل، وجرأة في اتخاذ القرار، واشتغالاً قائماً على الأرقام والمعطيات.

ومنذ توليه مسؤولية الوزارة الأولى، دخل الرجل ملفات حكومية شديدة التعقيد في ظرف إقليمي ودولي بالغ الحساسية، وواصل العمل على تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية، ومتابعة المشاريع الحكومية، وتحسين التنسيق بين القطاعات، ودفع الإدارة نحو مزيد من الفعالية والانضباط.

وقد يختلف الناس حول بعض القرارات، وهذا طبيعي في العمل العام، لكن الاختلاف حول الأداء لا يلغي حقيقة الكفاءة والخبرة، كما أن وجود ملاحظات على أداء الحكومة لا يبرر اختراع مؤامرات سياسية حول شخص الوزير الأول.

ولعل أهم ما يميز الرجل أنه لم يصل إلى موقعه الحالي من فراغ، وإنما بعد مسار طويل من المناصب السامية جعل اسمه معروفاً لدى دوائر الإدارة والاقتصاد والنخبة الوطنية.

وإذا كان المطلوب تقييم تجربة المختار ولد أجاي، فليكن ذلك بميزان النتائج لا بميزان النوايا، وبالأرقام لا بالإشاعات، وبالوقائع لا بالسيناريوهات التي تُكتب في المقالات.

لقد تتعدد الآراء حول المسؤولين، لكن الكفاءة لا تُلغى بالخصومة، والخبرة لا تسقطها الحملات، والإنجازات لا تمحوها العبارات الانفعالية.

وفي النهاية، سيبقى الحكم الحقيقي على معالي الوزير الأول المختار ولد أجاي بقدر ما ينجح في خدمة الدولة وتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية وتحقيق تطلعات المواطنين، لا بما يقال عنه في مقالات تبحث عن خصم سياسي أكثر مما تبحث عن الحقيقة.

موريتانيا تحتاج إلى نقد مسؤول يبني، لا إلى خطاب يزرع الشك في مؤسسات الدولة ويحوّل كل نجاح إلى مؤامرة، وكل قرار إلى طموح شخصي، وكل مسؤول كفء إلى مشروع خصومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى