بين شعار “الصيد المسؤول” وواقع خليج الراحة.. أي عصرنة يتحدث عنها المسؤولون؟

جاءت زيارة وزير الصيد والبنى التحتية البحرية والمينائية إلى مدينة نواذيبو تحت شعار “من أجل صيد مسؤول ونماء شامل”، حاملةً وعوداً بمواصلة تطوير القطاع وعصرنة منشآته. غير أن جولة قصيرة داخل ميناء خليج الراحة كفيلة بإبراز الهوة الواسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الذي يعيشه آلاف الصيادين والمستثمرين في الصيد التقليدي.
فبينما تتحدث البيانات الرسمية عن مشاريع العصرنة والتأهيل، لا يزال ميناء خليج الراحة، الذي يعد القلب النابض للصيد التقليدي في البلاد، يعاني من اختلالات بنيوية وخدمية متكررة، ظل المهنيون يطالبون بمعالجتها منذ سنوات. وتشمل هذه المطالب تحسين البنية التحتية، والحد من الاكتظاظ، وتوفير الخدمات الأساسية، وتهيئة ظروف عمل تحفظ كرامة الصيادين وتنسجم مع المكانة الاقتصادية لهذا القطاع.
ولا تقف معاناة القطاع عند حدود الميناء، إذ يواجه المستثمرون والصيادون التقليديون ضغوطاً اقتصادية متزايدة، من بينها ارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع المردودية، وتأثير فترات التوقف البيولوجي، فضلاً عن مطالب متكررة بإصلاح آليات التسويق وتحسين بيئة الاستثمار وتخفيف الأعباء التي تثقل كاهل العاملين في هذا النشاط الحيوي.
كما يثير عدد من المهنيين شكاوى متزايدة بشأن طريقة التعاطي مع زوارق الصيد التقليدي، معتبرين أن الإجراءات المتخذة في إطار مكافحة الهجرة غير النظامية تنعكس، في بعض الحالات، على الصيادين النظاميين، وهو ما يدفعهم إلى المطالبة بضرورة التمييز بين مكافحة شبكات الهجرة وحماية نشاط الصيد التقليدي، بما يضمن تطبيق القانون دون الإضرار بآلاف الأسر التي تعتمد على هذا القطاع في معيشتها.
وإذا كانت الوزارة قد اختارت أن ترفع خلال الزيارة شعار “الصيد المسؤول”، فإن المسؤولية الحقيقية لا تقاس بالشعارات ولا بالجولات التفقدية، وإنما بقدرة السياسات العمومية على تغيير الواقع اليومي للعاملين في القطاع. فالصياد الذي يغادر الميناء كل فجر لا يبحث عن العناوين الرنانة، بل عن ميناء تتوفر فيه شروط السلامة والنظافة والخدمات، وعن بيئة استثمارية مستقرة تحفظ رزقه.
إن الحديث عن “عصرنة ميناء خليج الراحة” يظل، في نظر كثير من المهنيين، بحاجة إلى أن ينعكس في الواقع العملي من خلال تحسين ملموس للبنية التحتية والخدمات، حتى تتطابق المشاريع المعلنة مع واقع الميناء الذي يشكل شريان الحياة لقطاع الصيد التقليدي في موريتانيا.
وستنشر وكالة رمال إنفو خلال الأيام المقبلة سلسلة من التقارير الاستقصائية الميدانية، تتناول واقع الصيد التقليدي من خلال لقاءات مع الصيادين والمستثمرين والمهنيين، لرصد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها أوضاع ميناء خليج الراحة، وارتفاع تكاليف التشغيل، والتعامل مع الزوارق، بما في ذلك ما يثيره المهنيون من شكاوى بشأن الخلط بين مكافحة الهجرة غير النظامية والإجراءات المطبقة على الصيادين التقليديين، مع إتاحة الفرصة لجميع الجهات المعنية لعرض وجهة نظرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى