
خفر السواحل والصياد التقليدي في نواذيبو.. عندما تتحول مكافحة الهجرة إلى هاجس يهدد الأرزاق
لم تعد معاناة الصياد التقليدي في نواذيبو مقتصرة على ندرة الأسماك أو ارتفاع أسعار المحروقات أو تعقيد الإجراءات الإدارية، بل برزت خلال السنوات الأخيرة مشكلة أخرى أكثر إيلاماً وتأثيراً، تتمثل في ما يصفه المهنيون بالتعامل القاسي وغير المنصف مع سفن الصيد التقليدي تحت ذريعة مكافحة الهجرة غير الشرعية.
ولا يختلف اثنان على أهمية حماية الحدود ومحاربة شبكات تهريب المهاجرين، فذلك واجب وطني تفرضه اعتبارات الأمن والسيادة. لكن ما يثير الاستغراب هو أن يتحول الصياد البسيط إلى متهم دائم، وأن تصبح سفينته مهددة بالمصادرة في أي لحظة، رغم وضوح طبيعة نشاطها ووجود كل المؤشرات التي تؤكد أنها خرجت من أجل الصيد لا غير.
ففي ميناء نواذيبو تتكرر قصص متشابهة تكاد تتحول إلى ظاهرة. سفن تحمل أطقمًا موريتانيين معروفين لدى الجميع، ولا تتوفر إلا على كمية محدودة من الوقود تكفي للذهاب إلى مناطق الصيد القريبة والعودة منها، كما تحمل معدات الصيد المعتادة من شباك ومراسٍ وأدوات بحرية، ومع ذلك تجد نفسها عرضة للمصادرة والاحتجاز بدعوى الاشتباه في استخدامها للهجرة غير النظامية.
محمد، وهو أحد المستثمرين الشباب في القطاع، يروي قصته بألم واضح. يقول إنه استأجر سفينة بمبلغ تسعمائة ألف أوقية، وأنفق مبالغ إضافية على تجهيزها بالمحروقات والمؤن ومعدات الصيد، ثم أرسلها في رحلة عادية بطاقم موريتاني معروف بممارسة الصيد منذ سنوات. لكن الصدمة كانت كبيرة عندما تلقى خبر توقيف السفينة ومصادرتها.
ويؤكد أن الخسارة لم تقتصر على توقف النشاط، بل شملت الأموال التي استثمرها بالكامل، فضلاً عن المعدات والملحقات التي غالباً لا تعود مع السفينة حتى في حال استرجاعها بعد أشهر من المتابعة والوساطات والإجراءات المعقدة.
ويتساءل الرجل بحرقة: كيف يمكن لصياد بسيط أو مستثمر محدود الإمكانيات أن يستمر في هذا المجال وهو يعلم أن رحلة صيد واحدة قد تنتهي بضياع كل ما يملك؟
والأخطر من ذلك أن حالة الخوف أصبحت تطغى على العاملين في القطاع. فبدلاً من أن ينشغل الصياد بأحوال البحر ومواسم الأسماك وأسعار السوق، أصبح همه الأول هو العودة بسفينته سالمة من المصادرة.
إن محاربة الهجرة غير الشرعية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإرهاق الصيد التقليدي أو التضييق على آلاف الأسر التي تعيش منه. فالمطلوب هو استهداف المهربين الحقيقيين والشبكات المنظمة، لا توسيع دائرة الاشتباه لتشمل كل من يخرج إلى البحر بحثاً عن رزقه.
ويزداد الوضع تعقيداً مع استمرار المشاكل الأخرى التي يواجهها القطاع، من صعوبة الحصول على المحروقات وارتفاع أسعارها، إلى التكاليف التشغيلية المتزايدة، فضلاً عن تراجع المخزون السمكي في بعض المناطق نتيجة الاستغلال المكثف للثروة البحرية.
إن ما يحدث اليوم يدفع إلى طرح أسئلة مشروعة حول مدى التوازن بين مقتضيات الأمن وحماية النشاط الاقتصادي. فحين يشعر الصياد أن البحر لم يعد مصدر رزق آمن، وحين يصبح المستثمر الصغير مهدداً بخسارة رأس ماله في أي لحظة، فإن ذلك ينعكس مباشرة على التشغيل والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
لقد آن الأوان لإعادة تقييم هذا الملف، والاستماع بجدية إلى شكاوى المهنيين، ووضع آليات أكثر دقة وعدالة للتمييز بين سفن الصيد الحقيقية ووسائل تهريب المهاجرين. فاستمرار الوضع على ما هو عليه لا يضر بالأفراد فقط، بل يهدد أحد أهم القطاعات التي تستوعب آلاف الشباب وتوفر مورداً حيوياً لمدينة نواذيبو واقتصادها المحلي.
فإذا كانت الدولة محقة في حربها على الهجرة غير الشرعية، فإن الصيادين يطالبون بدورهم بحرب من نوع آخر: حرب على الظلم وسوء التقدير والإجراءات التي جعلت كثيرين منهم يشعرون بأنهم يدفعون ثمن جرائم لم يرتكبوها.
وسنواصل في “رمال إنفو” استقصاء هذا الملف من خلال الاستماع إلى شهادات الصيادين والفاعلين في القطاع، ورصد مواقف النقابات المهنية والجهات الإدارية المعنية، سعياً إلى الإحاطة بمختلف جوانبه ووضع الرأي العام أمام صورة متكاملة عن واقع الصيد التقليدي والتحديات التي تواجهه.