
من التحالف إلى الصراع.. هل بدأت السنغال مرحلة “كسر العظم”؟
لم تكن العلاقة بين الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي ورئيس وزرائه المقال عثمان سونكو علاقة سياسية عادية داخل نظام حكم تقليدي، بل كانت أقرب إلى شراكة نضالية صنعت التحول الأكبر في تاريخ السنغال الحديث.
فالرجلان دخلا السجن معًا، وخاضا معركة إسقاط نظام الرئيس السابق ماكي صال، وتقاسما خطاب المعارضة والغضب الشعبي، قبل أن يتحولا إلى ثنائية حكم أوصلت حزب “باستيف” إلى السلطة لأول مرة. غير أن ما جرى اليوم بإقالة عثمان سونكو يكشف أن التحالف الذي هزم المعارضة لم يعد قادرًا على هزم تناقضاته الداخلية.
منذ وصولهما إلى الحكم، بدا واضحًا أن السنغال تعيش وضعًا استثنائيًا:
رئيس منتخب يمتلك الشرعية الدستورية، ورئيس وزراء يمتلك الشرعية الشعبية والحزبية.
وهذه الثنائية، رغم قوتها في مرحلة المعارضة، كانت تحمل منذ البداية بذور الصدام، لأن الدولة بطبيعتها لا تتحمل مركزين للقرار ولا زعيمين داخل السلطة التنفيذية.
عثمان سونكو لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل كان “صانع الرئيس” في نظر أنصاره، فهو الذي اختار ديوماي فاي مرشحًا بديلًا بعد منعه من الترشح، وهو الذي احتفظ بالكتلة الشعبية الأكبر داخل حزب “باستيف”. وفي المقابل، كان ديوماي فاي يدرك أن استمراره رئيسًا قويًا يقتضي التحرر تدريجيًا من صورة “الرئيس البديل” أو “الرجل الثاني”.
خلال الأشهر الماضية بدأت مؤشرات التوتر تظهر بوضوح.
إقالات شخصيات محسوبة على سونكو، وتنامي نفوذ مقربين من الرئيس داخل القصر، والخلافات حول التعيينات، ثم التصريحات العلنية التي تحدث فيها سونكو عن “غياب السلطة” وعن عراقيل تمنعه من تنفيذ برنامجه الإصلاحي. وقد فهم كثير من السنغاليين تلك التصريحات باعتبارها رسالة مباشرة إلى الرئيس نفسه.
الأزمة لم تكن شخصية فقط، بل تعكس اختلافًا عميقًا في أسلوب الحكم.
فديوماي فاي يميل إلى التهدئة وإدارة الدولة بمنطق المؤسسات والتوازنات الدولية، بينما ظل سونكو وفيًا لخطابه الراديكالي الذي أوصله إلى الشعبية، خاصة فيما يتعلق بمراجعة الاتفاقيات الاقتصادية، ومحاربة النخب التقليدية، والتسريع في التغيير السياسي.
وهنا بدأ التناقض الحقيقي:
هل تُدار الدولة بعقلية الثورة أم بمنطق الدولة العميقة؟
المثير أن الرئيس السنغالي حاول خلال الأشهر الأخيرة إرسال رسائل متكررة تؤكد أنه صاحب القرار النهائي داخل النظام، حتى إنه صرح علنًا بأن منصب الوزير الأول يخضع لسلطة الرئيس الدستورية، في إشارة فهمت على نطاق واسع باعتبارها تمهيدًا للحسم مع سونكو.
لكن إقالة سونكو لا تعني بالضرورة نهاية نفوذه.
فالرجل لا يزال يتمتع بحضور قوي داخل الحزب والبرلمان، كما أن جزءًا معتبرًا من القاعدة الشعبية يعتبره “العقل الحقيقي” للمشروع السياسي الجديد. ولهذا تبدو السنغال اليوم أمام مرحلة دقيقة قد تحدد مستقبل التجربة بأكملها.
السيناريو الأخطر يتمثل في انقسام حزب “باستيف” إلى جناحين:
جناح الدولة بقيادة الرئيس، وجناح الشارع بقيادة سونكو.
وحينها قد تدخل السنغال في حالة استقطاب سياسي حاد، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع سقف توقعات الشباب الذين صوتوا للتغيير.
أما السيناريو الأقل كلفة، فيتمثل في نجاح الوساطات الداخلية في احتواء الأزمة وإعادة صياغة العلاقة بين الرجلين، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن مرحلة “الرفاق” قد انتهت فعليًا، وأن السنغال دخلت زمن الصراع على من يقود مشروع الحكم ومن يمتلك الشرعية الأقوى.
لقد نجح الرجلان في إسقاط النظام السابق، لكن التحدي الأصعب اليوم هو:
هل يستطيعان منع سقوط المشروع الذي أوصلهما معًا إلى السلطة؟