
الشيخ محمد محمود ولد المصطفى… قبسٌ من أخلاق الصالحين
الكاتب الصحفي / احمد محمد المختار
ليست العظمةُ أن يعلو اسمُ المرءِ بين الناس، وإنما أن يترك في حياتهم أثرًا يشبه الغيث؛ يحيي القلوب، ويجبر الخواطر، ويصنع للخير طريقًا لا ينقطع. وقد شاء الله لبعض عباده أن يكونوا مفاتيحَ للرحمة، ومواطنَ للسكينة، ووجوهًا إذا أقبلت أقبل معها المعروف. ومن أولئك الأفاضل الشيخ محمد محمود ولد المصطفى
فإذا ذكر انصرف الذهن إلى رجلٍ اجتمعت فيه خصالٌ قلّ أن تجتمع في غيره؛ شرفُ النسب، وجلالةُ العلم، وسخاءُ اليد، ونقاءُ السريرة، وهيبةُ الصالحين.
فهو من دوحة الشرف الهاشمي العلوي، من قبيلة “إدوعلي” التي عُرفت بين الناس بمجد النسب، ورفعة الذكر، وعلو المقام، حتى غدت عنوانًا للتقوى والمروءة والإنفاق، ومهوى أفئدة طلاب العلم والفضل. نشأ الشيخ محمد محمود في هذا المحضن الطاهر، فشرب من معين الفضائل حتى امتلأت روحه بمعاني النبل والكرم، وكأنما تواطأ النسب الشريف والتربية الصالحة ليصوغا هذه الشخصية الوقورة التي يجلّها الناس حيثما حلت.
ولم يكن من أولئك الذين يكتفون بميراث الآباء والأجداد، بل سعى إلى تشييد مجده بعرق الاجتهاد وسمو الأخلاق. فتبحر في علوم القرآن الكريم وعلوم الشريعة، حتى صار من أهل الرسوخ والمعرفة، يُرجع إليه في دقائق المسائل، ويُستضاء برأيه في مواطن الإشكال. وإذا تحدث أصغى له السامعون هيبةً لعلمه، وإجلالًا لأدبه، إذ كان ممن زانهم العلم بالحلم، وجمّلهم الفقه بالتواضع.
وقد رزقه الله مع العلم بصيرةً نافذةً بالأنساب ومنازل الناس، فكان عارفًا بأقدار القبائل والأسر، بصيرًا بوشائج القربى، يصل ما انقطع من الأرحام، ويطفئ بنور حكمته نار الفرقة والخلاف. وتلك منزلة لا يبلغها إلا من صفا ذهنه، واتسعت معارفه، وامتلأ قلبه بمحبة الناس والحرص على جمع كلمتهم.
غير أن أعظم ما يميز الشيخ محمد محمود ليس سعة علمه فحسب، وإنما تلك الرحمة العميقة التي تسكن قلبه، حتى غدا ملجأً للمحتاجين، ومهوى أفئدة الضعفاء، وبابًا مفتوحًا لكل ذي حاجة. فما طُرق بابه إلا فُتح، ولا قُصد في أمر خير إلا سبق إليه، ولا استغاث به مكروب إلا وجد عنده وجهًا طلقًا، وقلبًا رحيمًا، ويدًا تمتد بالعطاء قبل السؤال.
كم من أرملةٍ سترها الله بعد ضيق بفضله، وكم من يتيمٍ مسح على قلبه الحزين بإحسانه، وكم من فقيرٍ أعاده عطاؤه من ذل الحاجة إلى سكينة الكفاية. ينفق في السر كما ينفق في العلن، لا يبتغي إلا وجه الله، وكأنما أيقن أن المال ظل زائل، وأن ما يبقى حقًّا هو ما قُدِّم لعباد الله من معروف ورحمة.
وقد عرفه الناس ببره العظيم بوالديه، حتى صار مضرب المثل في حسن الصحبة والوفاء، كما عرفوه واصلًا لرحمه، مكرمًا لجيرانه، بشوشًا في وجه زائريه، متواضعًا رغم مكانته، قريبًا من الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم. وهي خصالٌ لا تُشترى، وإنما يودعها الله في قلوب من أحبهم واصطفاهم لمكارم الأخلاق.
ولأن الأرواح الطيبة تتعارف، فقد نسج الشيخ محمد محمود علاقات واسعة مع أهل العلم والفضل داخل الوطن وخارجه، فكان موضع احترام العلماء والوجهاء والصالحين، لما لمسوه فيه من صدق المعشر، وطهارة اليد، ونبل المقصد. فمجالسه عامرة بالوقار، وحديثه مشبع بالحكمة، وحضوره باعث على الطمأنينة، كأنما يحمل في روحه شيئًا من سكينة العلماء الأوائل.
وإذا كان بعض الناس تُغريهم الدنيا بما فيها، فإن الشيخ محمد محمود جعل الدنيا طريقًا إلى الآخرة، فسخّر ماله في وجوه الخير، وجعل من ثروته جسرًا تعبر عليه قوافل المحتاجين إلى بر الأمان. يعطي بعفوية الكرام، وينفق بروح المؤمن الذي يعلم أن خزائن الله لا تنفد، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
إن الحديث عن هذا الرجل ليس ثناءً عابرًا يُقال، وإنما هو شهادة حق في رجلٍ أحب الخير فأحبه الناس، وأكرم الخلق فأكرمه الله بالمحبة والقبول. ومهما اجتهدت الأقلام في وصفه، تبقى بعض المآثر أكبر من أن تحيط بها الكلمات، لأن للرجال الصادقين نورًا لا تصفه اللغة، وإنما تشهد به القلوب.
نسأل الله الكريم أن يحفظ الشيخ محمد محمود ولد المصطفى، وأن يبارك له في عمره وعلمه وماله وذريته، وأن يجعل أيامه موصولة بالخيرات والمسرات، وأن يرفع مقامه في الدنيا والآخرة، كما رفع ذكره بين عباده بحسن الخلق وجميل الأثر. اللهم اجعل ما يقدمه من معروف في ميزان حسناته، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، وافتح له أبواب التوفيق والقبول، واجزه عن الفقراء والمساكين والأيتام خير الجزاء، فإنك ولي ذلك والقادر عليه.