المهندس :محمد فال ولد اتليميدي.. عندما تتحدث أجواء ازويرات عن نجاح الإدارة

ل


يس من السهل أن تقيس نجاح إدارة مؤسسة بحجم الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم» من خلال الأرقام وحدها، كما أن البيانات الرسمية، مهما كانت دقيقة، لا تكفي دائماً لمعرفة ما يجري في عمق المؤسسة. أحياناً يكون الطريق الأقصر إلى الحقيقة هو أن تذهب إلى المكان الذي توجد فيه «اسنيم» فعلياً، وأن تستمع إلى العمال، وتلتقي بالسكان، وتراقب طبيعة الحديث الدائر حول الشركة.

وهذا تحديداً ما لفت انتباهي خلال زيارتي الأخيرة لمدينة ازويرات.

فقد كان بإمكاني أن أسمع حديثاً مختلفاً عما ارتبط بالشركة في مراحل سابقة؛ حديثاً أقل توتراً وأكثر هدوءاً، وفيه قدر واضح من الرضى عن التحولات التي عرفتها المؤسسة، خصوصاً على مستوى ظروف العمال وعلاقتهم بالإدارة.

وليس المقصود هنا القول إن جميع المشاكل قد اختفت، أو أن المطالب العمالية لم تعد موجودة، فهذا أمر غير واقعي في مؤسسة بهذا الحجم. لكن اللافت هو أن طبيعة العلاقة نفسها تبدو قد تغيرت؛ من علاقة كانت تشهد في فترات سابقة توترات وإضرابات كادت تعطل الإنتاج، إلى علاقة يغلب عليها الحوار والشعور بوجود إدارة تستمع وتحاول معالجة الملفات بدل تركها تتراكم.

وهنا يصعب الحديث عن هذا التحول من دون التوقف عند تجربة المهندس محمد فال ولد اتليميدي على رأس الشركة.

فالمدير العام الحالي لم يأت إلى «اسنيم» من خارجها، بل عرف المؤسسة من الداخل، واشتغل في مواقعها ومناجمها، وهو ما منحه معرفة مباشرة بتفاصيل العمل وبالبيئة التي يتحرك فيها العمال. وربما كان هذا أحد العوامل التي جعلت مقاربته للملف الاجتماعي أكثر التصاقاً بالواقع.

خلال فترة إدارته، لم يعد تحسين ظروف العمال مجرد مطلب يُطرح عند كل أزمة، وإنما أصبح جزءاً من سياسة أوسع شملت الأجور والحوافز، وتسوية عدد من الملفات، وتحسين ظروف العمل، والاهتمام بالسكن والخدمات، إلى جانب فتح قنوات أكثر انتظاماً للتواصل مع العمال وممثليهم.

والنتيجة التي يمكن ملاحظتها في ازويرات ليست فقط في ما تقوله الإدارة عن هذه الإجراءات، وإنما في المزاج العام الذي تتركه داخل المدينة.

فالعامل الذي يشعر أن ظروفه المهنية والاجتماعية تحسنت، وأن صوته أصبح مسموعاً، وأن المؤسسة التي يعمل فيها تهتم باستقراره ومستقبله، يصبح أكثر استعداداً للنظر إلى نجاح الشركة باعتباره نجاحاً شخصياً ومهنياً له أيضاً.

وهذا هو ربما التحول الأهم في تجربة ولد اتليميدي: الانتقال من إدارة الاحتجاج إلى إدارة الثقة.

فالسنوات التي سبقت توليه الإدارة العامة عرفت محطات من التوتر العمالي والإضرابات، وكانت بعض تلك المحطات تحمل مخاطر حقيقية على انتظام الإنتاج، لأن «اسنيم» ليست مؤسسة عادية؛ أي اضطراب واسع فيها ينعكس على الإنتاج والتصدير وعلى الاقتصاد الوطني بصورة مباشرة.

أما اليوم، فإن الحديث في أوساط كثيرة داخل ازويرات بات يتجه بدرجة أكبر نحو ظروف العمل، وتحسين الخدمات، والمشاريع الجديدة، ومستقبل الشركة، بدلاً من أن يكون محصوراً في الخلافات والاحتجاجات.

وبالتوازي مع هذا الجانب الاجتماعي، واصلت «اسنيم» تنفيذ مشاريع واستثمارات مرتبطة بتطوير الإنتاج والبنية التحتية والطاقة والمياه والسكن، بما يعكس رؤية تتجاوز التسيير اليومي إلى بناء مؤسسة أكثر قدرة على الاستمرار والمنافسة.

ومن هنا، فإن تقييم تجربة محمد فال ولد اتليميدي لا ينبغي أن يكون من زاوية واحدة. فنجاح المدير العام في مؤسسة منجمية بهذا الحجم لا يقاس فقط بكمية الحديد التي تنتجها، وإنما أيضاً بقدرته على المحافظة على استقرار العمال، وتحسين بيئة العمل، وخلق علاقة متوازنة بين الإدارة والعامل، ثم تحويل هذا الاستقرار إلى قوة إنتاجية.

وما لمسته شخصياً في ازويرات هو أن هذه المعادلة بدأت تؤتي ثمارها.

قد تكون أمام «اسنيم» تحديات كبيرة في السنوات المقبلة، وقد تبقى ملفات تحتاج إلى معالجة وتطوير، لكن المؤسسة اليوم تبدو أكثر هدوءاً من مراحل سابقة، وأن جزءاً مهماً من هذا الهدوء يرتبط بما شهدته علاقتها بعمالها من تحول.

وفي مؤسسة يعتمد نجاحها إلى حد كبير على الإنسان الذي يقف في المنجم والمصنع والقطار والورشات، فإن إعادة بناء الثقة ليست تفصيلاً إدارياً هامشياً، بل هي في حد ذاتها إنجاز من إنجازات الإدارة.

والأهم أن ما تحقق داخل «اسنيم» يمكن النظر إليه أيضاً باعتباره صورة عملية من صور تنفيذ الخيارات التي تقوم عليها رؤية فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في إعطاء البعد الاجتماعي والإنساني للتنمية مكانته ضمن السياسات العمومية.

فحين تتقاطع خيارات الدولة مع مصالح العمال، وتجد هذه الخيارات طريقها إلى التطبيق داخل مؤسسة وطنية بحجم «اسنيم»، فإن النتيجة لا تكون مجرد تحسين في ظروف فئة من العاملين، وإنما تتجاوز ذلك إلى خلق حالة من الاستقرار والثقة تخدم المؤسسة والاقتصاد الوطني معاً.

ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الإداري المدير العام لا يقاس فقط بما أنجزه بصفته مسؤولاً تنفيذياً، وإنما أيضاً بقدرته على ترجمة توجهات رئيس الجمهورية إلى واقع ملموس داخل واحدة من أهم مؤسسات البلاد.

لقد خدمت إدارة ولد اتليميدي خيارات الرئيس حين جعلت من تحسين ظروف العمال جزءاً من استقرار المؤسسة، وخدمت العمال حين جعلت استقرارهم ومصالحهم رافداً لاستقرار الإنتاج، وخدمت «اسنيم» حين أدركت أن العامل المرتاح والمطمئن ليس عبئاً على المؤسسة، بل هو أحد أهم مصادر قوتها.

وهذا تحديداً ما يجعل الرضى الذي لمسته في ازويرات أكثر من مجرد انطباع عابر؛ فهو، في تقديري، رافد حقيقي لنجاح «اسنيم» ودعم لسياسة الدولة، حين تتطابق مصالح العمال مع خيارات الإدارة وتوجهات القيادة الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى