بين الإشاعة والانضباط العسكري: حين تُستغل الأخبار لتشويه المؤسسات

تداولت بعض الصفحات خلال الساعات الماضية رواية تزعم وجود خلاف بين قائد أركان الحرس الوطني، الفريق إبراهيم فال ولد الشيباني، وأحد قادة التجمعات الجهوية، وانتهى – بحسب تلك الرواية – بإعفاء الأخير من منصبه بعد رفضه تنفيذ أوامر قيادته.

وبعيدًا عن صحة هذه المزاعم من عدمها، فإن أول ما يلفت الانتباه هو أن الجهة التي نشرت الخبر اعتادت، في مناسبات عديدة، نشر روايات مثيرة تفتقر إلى الأدلة الموثقة، والدخول في حملات تشهير واستهداف للأشخاص والمؤسسات، وهو ما يجعل كل ما تنشره بحاجة إلى تمحيص وتحقق قبل التعامل معه باعتباره حقيقة.

فالخبر المذكور لم يُدعَّم بأي وثيقة رسمية أو تصريح من جهة مخولة، واعتمد على سرد إنشائي مليء بالتفاصيل التي لا يمكن التحقق منها، وهو أسلوب يتكرر في كثير من الأخبار التي يكون هدفها إثارة الجدل أكثر من نقل الوقائع.

ثم إن الرواية نفسها، إذا افترضنا – جدلًا – صحتها، لا تخدم الاستنتاج الذي أراد صاحبها الوصول إليه. فالمؤسسات العسكرية تقوم على مبدأ واضح لا يحتمل التأويل، وهو احترام التسلسل القيادي وتنفيذ الأوامر الصادرة من القيادة العليا في حدود القانون. أما رفض تنفيذ أوامر القيادة ومواجهتها بعبارات تنطوي على التحدي، فهو سلوك لا ينسجم مع أبجديات الانضباط العسكري، وتملك القيادة العسكرية، وفق القوانين والأنظمة، صلاحية اتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات إدارية للحفاظ على هيبة المؤسسة ووحدة القيادة.

ومن غير المنطقي تحويل الالتزام بالتراتبية العسكرية إلى تهمة، أو تصوير تطبيق قواعد الانضباط على أنه تجاوز، لأن الجيوش والأجهزة النظامية لا يمكن أن تؤدي رسالتها إذا أصبحت الأوامر محل تفاوض أو رفض من المرؤوسين. كما أن المؤسسات العسكرية والأمنية يجب أن تبقى بعيدة عن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن تُدار شؤونها عبر القنوات الرسمية وبما ينسجم مع طبيعتها الخاصة ومتطلبات السرية والانضباط.

أما الفريق إبراهيم فال ولد الشيباني، قائد أركان الحرس الوطني، فقد عرفه كثيرون قائدًا مهنيًا يتسم بالكفاءة والخبرة والهدوء، ويبتعد عن الأضواء والضجيج الإعلامي، مركزًا جهوده على تطوير المؤسسة وتعزيز جاهزيتها ورفع مستوى الانضباط فيها. وقد حظي بثقة القيادة العليا للدولة بفضل مسيرته المهنية وما عرف عنه من رصانة وحسن إدارة.

إن النقد حق مشروع، لكن تحويل الإشاعات إلى حقائق، واستهداف القيادات العسكرية بروايات غير موثقة، لا يخدم المصلحة العامة ولا يعزز الثقة بالمؤسسات. ومن الواجب، خصوصًا في القضايا المتعلقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية، تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية، بدل الانجرار وراء أخبار قد يكون هدفها الإثارة أو تصفية الحسابات.

ويبقى الأصل هو احترام المؤسسات الوطنية وعدم إصدار الأحكام قبل ظهور الحقائق، فالمصداقية لا تُبنى بالعناوين المثيرة، وإنما بالوقائع الثابتة والأدلة الموثقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى