
قراءة في تنامي الخطاب الشرائحي وخطورته على السلم الاجتماعي ووحدة النسيج الوطني
احمد عبد الله
حين يتحول الانتماء إلى معول هدم
في الأزمنة التي تتعاظم فيها التحديات، وتتكاثر فيها المؤامرات العابرة للحدود، تصبح وحدة الأوطان ليست مجرد شعار عاطفي يُرفع في المناسبات، بل ضرورة وجودية، وسياجًا لا غنى عنه لحماية المجتمعات من الانهيار والتشظي. وموريتانيا، بما عُرفت به من تماسك اجتماعي وتعايش تاريخي بين مكوناتها، ليست بمنأى عن محاولات بث الفرقة وتأجيج الأحقاد، تحت عناوين ظاهرها المطالبة بالحقوق، وباطنها تمزيق النسيج الوطني وإعادة إنتاج الصراع.
لقد شهد الخطاب العام في الآونة الأخيرة تناميًا مقلقًا للخطاب الشرائحي والجهوي والعرقي، وهو خطاب لم يعد يكتفي بإثارة المظلومية أو المطالبة بالإصلاح، بل تجاوز ذلك إلى صناعة حالة من الاحتقان الدائم، تقوم على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متقابلة، وتأليب فئة على أخرى، وكأن الوطن لم يعد جامعًا مشتركًا، بل ساحة صراع مفتوح بين الهويات الضيقة.
ومن أخطر ما في هذا المسار أن بعض التنظيمات والحركات، وفي مقدمتها منظمة إيرا، جعلت من خطاب الاستفزاز والتأجيج وسيلة للحضور الإعلامي والسياسي، فبدل أن يكون النضال الحقوقي جسرًا نحو الإنصاف والمصالحة، تحول عند بعض الأصوات إلى منصة لإعادة إنتاج الكراهية، وإحياء النعرات، وتكريس عقلية الضحية الأبدية التي تتغذى على الانقسام أكثر مما تبحث عن الحلول.
إن الحقوق لا تُنتزع عبر شيطنة المجتمع، ولا تُبنى العدالة على أنقاض السلم الأهلي، ولا يمكن لأي خطاب أن يدّعي الدفاع عن المظلومين وهو يزرع الأحقاد في النفوس، ويصنف المواطنين وفق أصولهم وألوانهم وانتماءاتهم. فحين يصبح الوطن مجرد فسيفساء متناحرة، يخسر الجميع، وتسقط القيم التي قامت عليها الدولة والمجتمع معًا.
وليس من الحكمة أن يُختزل تاريخ موريتانيا في صفحات الألم وحدها، أو أن تُقدَّم البلاد وكأنها فضاء للتمييز المطلق والقطيعة المجتمعية. نعم، هناك اختلالات تحتاج معالجة، ومظالم تتطلب الإنصاف، وتفاوتات ينبغي تجاوزها، لكن الطريق إلى الإصلاح لا يمر عبر التحريض، ولا عبر استدعاء خطابات الثأر والكراهية، بل عبر ترسيخ دولة القانون، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتكريس المواطنة الجامعة التي لا تعلو فيها شريحة على أخرى إلا بقدر عطائها للوطن.
إن أخطر ما يهدد الدول ليس الفقر ولا ضعف الموارد، بل انهيار الثقة بين مكوناتها. وحين يبدأ المواطن في النظر إلى أخيه المواطن باعتباره خصمًا وجوديًا، فإن الوطن يدخل منطقة الخطر الحقيقي. ولذلك فإن مسؤولية النخب الفكرية والإعلامية والسياسية اليوم هي الوقوف بحزم ضد كل خطاب تقسيمي، أيا كان مصدره أو شعاراته، والعمل بدل ذلك على نشر ثقافة التعايش والاعتدال والانتماء الوطني.
لقد دفعت شعوب كثيرة أثمانًا باهظة حين استهانت بخطابات الفرقة، وظنت أنها مجرد ضجيج عابر، قبل أن تتحول إلى نار تأتي على الأخضر واليابس. وموريتانيا، بتاريخها وروابطها الاجتماعية العميقة، تستحق أن تُحمى من هذا المنحدر الخطير، وأن يبقى صوت العقل والوحدة أعلى من أصوات التحريض والتمزيق.
فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تحفظها الشعارات الغاضبة، وإنما يحفظها وعي أبنائها، وإيمانهم بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم.