السيد أحمد أعبيد بوحمادي ,,ثوبٌ من المجد لم يعلَق بإدناس

الكاتب/ الشيخ سيد أعمر الكنتي

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جعل في الناس مناراتٍ للنبل، وأركانًا للشهامة، وأعلامًا للصدق والوفاء، لا غلوّ فيهم ولا فسوق ولا عصيان، وإنما جدالهم بالحق، وسعيهم بالخير.
والصلاة والسلام على النبي العربي الأمين، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛
فإن الحديث عن السيد أحمد أعبيد بوحمادي، الملقب أحمد إديشلي، هو حديث عن مدرسةٍ قائمة بذاتها، بل عن أكاديمية متكاملة في الصدق، والوفاء، والعفة، والصبر، والسماحة، والعظمة، والكبرياء.
حديثٌ لا يُملّ، ولا يُستوفى، ولا يبلغ مداه قلمٌ مهما أسرف في البيان.
هو من أولئك الذين كريمُ الأصل ما يَزن بريبة،
كما ساد أصلُ البعل ساد له الأصل.
رجلٌ إذا ذُكرت المروءة كان موطنها، وإذا نودي بالشهامة كان أحقَّ أهلها، وإذا سُئل عن الصدق عُرف قدره ومكانه.
وما هذا – والله – من باب الميل أو التزلف، معاذ الله، وإنما هو كلمة حق ألقيت على عاتق كل من شهد بالفضل لأهله، لا سيما إذا كان القائل أقلَّ الناس مقامًا، وأضعفهم منزلة.
لقد نشأ السيد أحمد أعبيد بوحمادي في بيئة صوفية صافية، ومحيط عربي كريم، فشرب من معين القيم، وترعرع في كنف النخوة، وتربى على الجود حتى صار له طبعًا لا يُتصنّع، وسجية لا تُتكلّف.
ولهذا كانت – وما زالت – الركبان تشدّ إليه الرحال، وتضرب أكباد الإبل من بعيد، طلبًا لفضله، واستئناسًا بخلقه، وثقةً في معدنه.
وصدق من قال فيه قول الشاعر:
تعود بسطَ الكف حتى لو أنه
ثناها لقبضٍ لم تطعه أنامله
تراه إذا ما جئته متهللًا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفّه غيرُ روحه
لجاد بها، فليتقِ اللهَ سائله
هو البحر من أيّ النواحي أتيته
فلُجّته المعروفُ والجودُ ساحله
وقول الآخر:
حوتْ ما دون مرتبةِ التنبي
يداك من المكارم والمعالي
وأنت إذا من الثقلين طُرًّا
بمنزلة اليمين من الشمال
فليس العلم عنده حِملَ أسفار، ولا الرواية بلا فهم، بل علمٌ نافع، وعملٌ صالح، وخلقٌ راسخ، مصداقًا لقول الشاعر:
تبا لمن لا فائدةً فيه تُذكر
إن الرواة بلا فهم لما حفظوا
مثل الجمال عليها يحمل الودع
لا الودع ينفعه حمل الجمال له
ولا الجمال بحمل الودع تنتفع
وهذا – والله – نقيضُ حاله تمامًا؛ فقد جمع بين النخوة والشهامة، وبين العقل والخلق، وبين الكرم والحكمة.
فهو محلّ الفضل ومعقله، ومهبط المكارم ومظنّتها، ذهبٌ إبريز لا تشوبه شائبة، ووعاء ناصع لا يعرف الكدر.
همّه ليس جمع المال، بل جمع المحامد، وله في الندى أيادٍ تشهد بها الأيام، وأثرٌ لا يُمحى بمرور الأعوام.
وإن كان على أديم هذه الأرض فرسانٌ للمجد، فهم – بلا تردد – من طينته وسجيته.
ينفق في ظلام الليل وضحى النهار، يقف مع الحق بشجاعة، ويحارب الباطل بجدارة، وكل ذلك ثمرةُ تربيةٍ أصيلة، وثقافةٍ راسخة، وتأطيرٍ قيميٍّ نبيل.
وأملي فيه – بعد الله سبحانه وتعالى – كبير، لما عُرف عنه من رفعة الأخلاق، وطيب المنبت، وصدق الانتماء، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾.
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فإذا ذُكرت المكارم في الآفاق، كان به يُضرَب المثل، ولا يستوي – والله – من يعلم ومن لا يعلم، ولا أصحاب الجنة وأصحاب النار، ولا الفرس الأصيل والبغلة العرجاء.
وقد رُزق من الذوق الرفيع، وسعة الأفق، ودقة الفهم، ما تحار فيه الأفهام، وتُعجز عنه الأوصاف. وما ذُكر هنا إلا قليل من كثير، وغيض من فيض.
لعمرك ما الرزية فقدُ مالٍ
ولا شاةٌ تموت ولا بعير
ولكن الرزية فقدُ شهمٍ
يموت بموته خلقٌ كثير
وفي الختام، أسأل الله رب العباد والبلاد، رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، أن يغفر له ذنوبه، وأن يحفظه، ويسدد خطاه، ويجعله ذخرًا للبلاد والعباد، وأن يجزيه عن مكارمه خير الجزاء.
وأشهد – غير متردد – أنه كتيبةُ رجالٍ في رجلٍ واحد، وأنني سفيره في كل محفل، وحاملُ ذكره في كل مجلس، وفاءً لا تملّقًا، وصدقًا لا ادّعاء.
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى
غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب
عابه الناس غير أنك فان
وينتهي القول دون أن يبلغ الحبر تمام الفخر،
ولو خُيّرنا لما افترقنا، ولكن لا خيار مع الزمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى