
الدكتور شيخنا ولد كنكو… كفاءة هادئة تُنجز بصمت وتستحق موقعها اللائق
يمثل الدكتور شيخنا ولد كنكو واحدًا من الأسماء اللامعة في قطاع الصحة الوطني، لا من خلال الضجيج الإعلامي أو البروز المصطنع، بل من خلال العمل الجاد والالتزام المهني والإنجاز الهادئ الذي يترك أثره حيثما حلّ وارتحل. فقد نسج هذا الطبيب الإداري مسيرة مهنية وإنسانية راقية، رسخت مكانته كأحد أعمدة الكفاءة الوطنية التي تستحق أن تتبوأ المواقع السامية في المنظومة الصحية.
بدأ الرجل مساره البارز من تمبدغة حين تولى مهمة الطبيب الرئيسي في مركزها الصحي، فظهر منذ اللحظة الأولى حجم ما يتمتع به من قدرة على القيادة الهادئة، والإدارة المحكمة، والتعامل الإنساني الرفيع. وفي تلك الفترة بالذات، نسج علاقة ثقة نادرة مع سكان المدينة، الذين رأوا فيه طبيبًا قريبًا منهم، متفانيًا في خدمته، حاضرًا حين يغيب الآخرون، ومخلصًا في أداء رسالته دون أن يفرق بين مراجع وآخر. وقد بلغ أثره في نفوس الساكنة حدّ أن قرار نقله لاحقًا قوبل برفض مجتمعي واسع، في شهادة صادقة على مكانته ومحبته لديهم.
انتقل لاحقًا إلى ولاية كوركول مديرًا جهويًا للصحة، فكرّس فيها ما عُرف عنه من جدية وانضباط، وأعاد الاعتبار للإدارة الصحية من خلال المتابعة الدقيقة، وتفعيل الرقابة، وتحسين مستوى الخدمات. وهناك، كما في غيرها، عمل بصمت وترفع عن المظاهر، محتكمًا إلى معيار وحيد هو النتائج، فبرز اسمه باعتباره من أكثر المسؤولين قدرة على إدارة التعقيدات الميدانية بكفاءة وصلابة.
ثم جاءت محطته الثالثة والأبرز، حين تولى منصب المدير الجهوي للصحة في ولاية الحوض الشرقي، وهي الولاية الأكبر والأكثر تحديًا على مستوى البنية الصحية ونقاطها المتشعبة. وهناك تجلت خبرته بأوضح صورها، فتمكن من إحياء روح العمل في المنشآت الصحية، وتعزيز أداء الفرق، وتقريب الخدمات القاعدية من المواطنين، ورفع مستوى الانضباط والتجهيز والجاهزية. ولم يكن غريبًا أن تصف تقارير عديدة جهوده بأنه “عرّاب الخدمات الصحية القاعدية” في الولاية، نظرًا لما أحدثه من نقلة حقيقية انعكست على حياة الناس اليومية.
وإلى جانب هذا المسار المهني المتدرج، ظل الرجل يمثل نموذجًا أخلاقيًا رفيعًا؛ فهو المتمسك بالتواضع، القريب من الناس، الحريص على ألا يحجبه المنصب عن واجبه الإنساني الذي آمن به قبل كل شيء. لم يطلب الأضواء يومًا، ولم يسعَ إلى الظهور، بل جعل من الصمت لغته، ومن العمل منهجه، وترك للإنجاز أن يتولى التعريف به.
ولأن التجربة لا تُقاس بالكلام، بل بما يتركه أصحابها من أثرٍ حيّ في الواقع، فإن الدكتور شيخنا ولد كنكو بات اليوم ـ وبشهادة كل من عرفه وتعامل معه أو تابع أداءه في الولايات التي خدم فيها ـ واحدًا من تلك القامات التي ينبغي أن تُسند إليها المواقع السامية داخل القطاع الصحي. فالرجل يمتلك رصيدًا من الخبرة الميدانية والصرامة الأخلاقية والإنجاز المتواصل يجعل وجوده في مقدمة دوائر القرار حاجة ملحّة، لا ترفًا إداريًا. إن قطاع الصحة في موريتانيا بحاجة إلى أمثال هذا النموذج من الكفاءات الهادئة الجادة، التي تمنح العمل قيمته، وتمنح الخدمة معناها، ويمنحها الناس ثقتهم قبل أن تمنحها المناصب ألقها. ومن هنا، فإن توليه مهام عليا ليس تكريمًا شخصيًا بقدر ما هو استثمار وطني في رجل أثبت في كل منصب أنه الأجدر والأكفأ، وأنه يخدم الدولة بالإنجاز لا بالشعارات، وبالعمل الصامت لا بالاستعراض.