لا حصانة للفساد… زمن المساءلة بدأ

من حساب الإعلامي / احمد محمد المختار عبد الله

في خطابٍ حازم وواضح الرسالة، أكد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني أنّ معركة الدولة ضد الفساد ليست شعارًا سياسيا ولا موجة ظرفية، بل مسارًا مؤسسيا مستمرًا تُدار أدواته وفق القانون وحده. وقد حمل تصريح الرئيس — بأن 10 ملفات فساد تمّت إحالتها للقضاء خلال العشرة أشهر الأخيرة تشمل 70 شخصا، بينهم 20 في السجن، و19 في حرية مؤقتة، و30 ما تزال أمام النيابة — دلالة قوية على أن الدولة تتحرك في هذا الملف بأرقام ووقائع، لا بضجيج ولا انتقائية.

الأهم في خطاب الرئيس ليس تعداد الملفات، بل تحديد المرجعية الحاكمة لهذا المسار: القضاء وحده جهة الاتهام والحكم. ليس هناك سياسي يقرر، ولا مسؤول يحمي، ولا قرابة تشفع. إنها رسالة تطمين وطنية من أعلى هرم السلطة بأن هيبة الدولة لن تُدار بوساطات ولا بحسابات اجتماعية، وأن مكافحة الفساد لن تكون انتقائية ولا موسمية.

لقد أدرك الموريتانيون، خلال السنوات الأخيرة، أن فخامة الرئيس يفضّل البناء على الهدوء المؤسساتي لا على الصدامات، وأنه يؤسس لنمط جديد في إدارة الدولة: نمط يجعل القانون هو الإطار الوحيد الذي يتحرك فيه الجميع، مهما كانت مواقعهم أو أسماؤهم أو امتداداتهم. وبهذا المعنى، فإن الحديث عن إحالة ملفات حساسة إلى القضاء هو إشارة إلى أن الدولة بدأت، فعليًا، تستعيد زمام المبادرة في محاربة واحدة من أعقد آفات الإدارة.

ويأتي تصريح الرئيس أيضًا في سياق مهم: ترسيخ ثقة المواطن في أن مسار الإصلاح جاد، وأن العدالة تسير بخطى ثابتة. فالحديث الصريح عن الأرقام، وذكر وضعية كل مجموعة من المشمولين، يعكس شفافيةً غير معهودة في هذا النوع من الملفات التي غالبًا ما كانت تحاط بالغموض.

إن افتتاحيتنا اليوم تستخلص من خطاب الرئيس ثلاث رسائل أساسية:

1. أن الدولة انتقلت من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل الملموس، وفق مسطرة قانونية مكتملة.

2. أن القضاء استعاد مكانته وهيبته باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بالاتهام والحكم.

3. أن محاربة الفساد ليست قطيعة مع أشخاص بل مع ممارسات، وبالتالي فهي تشمل الجميع دون استثناء ودون تحييد لأي نفوذ اجتماعي أو سياسي.

 

إن موريتانيا الجديدة التي يتحدث عنها الرئيس ليست شعارًا يردده أنصار النظام فقط، بل واقع يتشكل تدريجيًا من خلال هذه الخطوات الصارمة، التي تعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة، وتضع أسسًا سليمة للإدارة العمومية.

وفي النهاية، فإن مكافحة الفساد ليست مجرد ملفات تُحال إلى القضاء، بل معركة أخلاقية وسياسية وتنموية تتطلب تضافر الجميع: مؤسسات، نخبا، وإعلامًا. وما يحدث اليوم هو بداية مشجعة لمرحلة طال انتظارها: مرحلة تُكافأ فيها النزاهة، ويُحاسب فيها المتجاوز أيا كان.

هذه هي الرسالة التي أراد الرئيس إيصالها… وقد وصلت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى