الأمن الوطني.. قرار حكيم يعيد الثقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الطمأنينة العامة

الكاتب الصحفي / احمد عبدو الله

في خطوة جريئة تعبّر عن رؤية متجددة في تسيير الشأن الأمني، اتخذ المدير العام للأمن الوطني قرارًا نوعيًا يقضي بتخفيف إجراءات تفتيش السيارات داخل المدن، وهي خطوة لم تأتِ ارتجالًا، بل جاءت بعد تقييم دقيق لواقع العمل الميداني، واستشعار لحاجة المواطن إلى أمنٍ فعليٍّ يلامس حياته اليومية، بدل الانشغال بالمظاهر الشكلية التي أنهكت الناس وأرهقت حركة السير.

لقد أدركت قيادة الأمن الوطني أن الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد السيارات الموقوفة عند نقاط التفتيش، بل يُقاس بمدى شعور المواطن بالطمأنينة في بيته وشارعه ومحله التجاري، وبقدر ما يتراجع الخوف من الجريمة ويتعزز احترام القانون والنظام العام. ومن هنا كان القرار الأخير بمثابة تصحيحٍ للبوصلة وإعادةٍ للروح إلى مفهوم الأمن بمعناه الإنساني النبيل: حماية الأرواح والممتلكات قبل كل شيء.

إنّ توجيه الجهود نحو تكثيف الدوريات الأمنية في الأحياء والمناطق النائية، وملاحقة شبكات الجريمة والمخدرات، يمثّل تحوّلًا نوعيًا في فلسفة العمل الأمني. فبدل التركيز على المظاهر، انتقل الجهاز إلى الجوهر، حيث الخطر الحقيقي الذي يهدد المجتمع من الداخل، وحيث تتسلل الجريمة بصمت إلى تفاصيل الحياة اليومية.

كما أن توجيه الإدارة العامة للأمن نحو تطهير الجهاز من الشبهات والاختلالات وإعادة الانضباط المهني والأخلاقي إليه، يشكل نقلة نوعية في بناء شرطة عصرية قادرة على أداء واجبها بكرامة ونزاهة. فالأمن، في نهاية المطاف، ليس سلطةً غاشمة، بل رسالة حضارية تقوم على القيم الأخلاقية والإنسانية والإسلامية في أبهى صورها.

لقد برزت في السنوات الأخيرة تحدياتٌ خطيرة، منها انتشار المخدرات وارتفاع معدلات السرقة والسطو والقتل، ما جعل الحاجة إلى أمنٍ فعّال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وهنا جاء القرار الأخير كاستجابة واقعية لمتطلبات المرحلة، وكإشارة واضحة إلى أن القيادة الأمنية الجديدة تمتلك نظرة استشرافية للمستقبل، تؤمن بأن سيادة الأمن تبدأ من حماية المواطن، لا من ملاحقته.

وليس من المبالغة القول إن هذا القرار أعاد الأمل في نفوس المواطنين، وأعاد الثقة في جهاز طالما أرهقته الشبهات والممارسات الفردية. فحين يشعر المواطن بأن الشرطة تحميه لا تراقبه، وأنها تسهر من أجله لا عليه، تنشأ علاقة جديدة من الاحترام المتبادل والتعاون الإيجابي بين الطرفين، وهي العلاقة التي تُعد أساس الأمن في أي دولة حديثة.

من شأن هذه الخطوة أن تُحدث تحولًا في الصورة العامة للأمن الوطني، إذ ستسهم في تحسين صورة الجهاز لدى الرأي العام، وتُعيد إليه هيبته ومكانته بوصفه درع الدولة وسياجها الحامي. كما ستفتح المجال أمام مقاربة أمنية ذكية تقوم على التخطيط، والتحليل، والعمل الاستباقي، بدل الاعتماد على الأساليب التقليدية.

إنّ المدير العام للأمن الوطني، من خلال هذه المبادرة، يضع الأسس لمرحلةٍ جديدة قوامها المهنية والشفافية والتوازن بين الصرامة في تطبيق القانون واحترام حقوق المواطنين. فالأمن لا يمكن أن يكون حقيقيًا إلا إذا كان عادلاً وإنسانيًا، يحمي المواطن دون أن يرهقه، ويلاحق الجريمة دون أن يتجاوز القانون.

لقد حان الوقت لأن يعيش المواطن الموريتاني في وطنٍ يثق فيه بشرطته، ويشعر بأن الدولة قريبة منه، تحرسه بعين العدالة لا بعين الشك. فالمدير العام للأمن الوطني يثبت من خلال قراراته الأخيرة أن الإصلاح ممكن، وأن الجهاز الأمني قادر على أن يكون مدرسة في الانضباط والمواطنة والفاعلية.

وهكذا، تتجه موريتانيا بخطى ثابتة نحو مرحلة جديدة عنوانها سيادة الأمن وطمأنينة المواطن. مرحلة تُستعاد فيها الثقة بين الناس ومؤسساتهم، ويُعاد فيها بناء الجهاز الأمني على أسس من الكفاءة والالتزام، في انسجام تام مع رؤية الدولة الحديثة بقيادة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي جعل من تعزيز الأمن والاستقرار ركيزةً أساسية في مشروعه الوطني.

إن الأمن عندما يكون في خدمة المجتمع، يصبح الوطن أكثر سكينة، والشارع أكثر احترامًا، والمواطن أكثر طمأنينة. وقرار اليوم هو وعد بمستقبلٍ تتكامل فيه الحرية مع الأمن، وتزدهر فيه الحياة تحت ظلّ دولةٍ عادلةٍ تحمي أبناءها جميعًا.
@إشارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى